ابن ميثم البحراني

38

شرح نهج البلاغة

كتركهم الحرب بصفّين عن خدعة أهل الشام لهم بالمسالمة وطلب المحاكمة إلى كتاب اللَّه ورفع المصاحف فقالوا : إخواننا في الدين فلا يجوز لنا قتالهم . كان ذلك حلما في غير موضعه حتّى كان من أمرهم ما كان . فأشبه رضى الصبيان فأطلق اسمه عليه . وثالثها : إلحاق عقولهم بعقول النساء . وذلك للمشاركة في النقصان وعدم عقليّتهم لوجوه المصالح المختصّة بتدبير المدن والحرب . ثمّ عرّفهم محبّته لعدم رؤيتهم وعدم معرفتهم لاستلزامها ندمه على الدخول في أمرهم والحزن من تقصيرهم في الذّب عن الدين لأنّ المتولَّي لأمر يغلب على ظنّه استقامته حتّى إذا دخل فيه وطلب انتظامه ووجده غير ممكن له لا بدّ وأن يندم على تضييع الوقت به ، ويحزن على عدم إمكانه له . وهذه حاله عليه السّلام مع أصحابه . ولذلك حزنت الأنبياء عليه السّلام على تقصير أممهم حتّى عاتبهم اللَّه تعالى على ذلك كقوله لمحمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم « وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ » . « لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » . ثمّ عاد إلى الدعاء عليهم والشكاية منهم ، وذلك قوله : قاتلكم اللَّه . إلى آخره . وأعظم بما دعا عليهم به فإنّ المقاتلة لمّا كانت مستلزمة للعداوة ، والعداوة مستلزمه لأحكام كاللعن والطرد والبعد من الشفقة والخير من جهة العدوّ ، وكان إطلاق المقاتلة والعداوة على اللَّه بحسب حقيقتهما غير ممكن كان إطلاق لفظ المقاتلة والعداوة مقصودا به لوازمهما كالإبعاد عن الرحمة مجازا . قال المفسّرون : معنى قول العرب : قاتلكم اللَّه : أي لعنكم . وقال ابن الأنباري : المقاتلة من القتل . فإذا أخبر اللَّه بها كان معناها اللعنة منه لأنّ من لعنه اللَّه فهو بمنزلة المقتول الهالك . وقوله : لقد ملأتم قلبي قيحا إشارة . إلى بلوغ الغاية في التألَّم الحاصل له من شدّة الاهتمام بأمرهم مع تقصيرهم وعدم طاعتهم لأوامره . فعبّر بالقيح عن ألم قلبه مجازا من باب إطلاق اسم الغاية على ذي الغاية . إذ كان غاية ألم العضو أن يتقّيح . وكذلك إطلاق لفظ الشحن على فعلهم المولم لقلبه مجاز لأنّ الشحن حقيقة في نسبة بين جسمين ، وكذلك قوله : وجرّعتموني نغب التهمام أنفاسا : أي جلبتم لي الهمّ وقتا فوقتا . مجاز لأنّ التجريع عبارة عن إدخال الماء أو نحوه في الحلق . وطريان الهمّ على نفسه وما